المشاركات

والروح تأنس

 "وأُقسِمُ ما استبدلتُ بعدكِ خُلَّةً ولا لكِ عندي في الفؤادِ قَسيم" بداية شعرية عذبة مع كثير عزّة، وإغراق في الحب كما ينبغي لهذا الشعور أن يكون.. أحب تأمل أبيات الحب، وأحب الحب الذي يرسم للحياة ألوناً أبهى، ويخرج القلب من عتمته إلى سعادة جديدة، وتسامح وهدنة وصلح دائم مع الأيام.. وحديث اليوم عن الحب والأحباب، وعن الحضارات البشرية التي تستعمر القلب فتعمره، وعن السماء التي تظلنا والأرض التي تقلنا والأكتاف التي تعرف متى تسند ومتى تواسي ومتى تنشلك من قاع حزنك.. هذه الذكريات المتراكمة، والقصص القديمة التي تحب سردها على مسامعهم كأنهم جزء منها بل تحب لو تبسط لهم مداد عمرك كله ليقرؤوه وترجو لو كانوا مداده السابق كما هم مدده الحالي، وتحب أن يسمعوه كاملاً مع جمله الاستدراكية والاعتراضية ويحبون، وتنتظرهم كما ينتظرونك، وتفتح لهم نوافذ قلبك كلها يطلون منها على حقيقتك كاملة دون محسنات بديعية.. أنت جناس ناقص حيناً، وتام في حين آخر وفي كل الأحوال يرونك بديعاً كمُلَ حسنه.. تراوح بين الاستعارات، والكنايات والمشاعر والتوريات، لكنهم يعرفون بعين الحب ماذا تقصد، أليست العيون على القلوب شواهد؟ وهذه ...

ربما

 في يوم من ذات الأيام ربما، سأحدث أبنائي عن تفاصيل لا تحكيها الأمهات الفاضلات، عن المنفى وحكاياه وعن قصص أعوامٍ من السعي في الدنيا بعبث وجدٍّ يتراوحان بين المتنبي في طموحه وبين الانحدار مع ابن الرومي وتشاؤمه، وسيسألونني ربما عن امتداد سنوات تدريسي حتى شارفت سن التقاعد، فأجيبهم إنني صبورة ولو لم تبقَ مني بقية، وسأود أن أكمل لهم البيت الشعري وأتحدث عن وقاري، لكنني سأترك هيبة الزمان تقوله عنّي، سأحب أن أحدثهم أنني كنتُ مشغولة جداً في تدارك نفسي بعد السقوط المدوّي، وسيسألون كثيراً ولن أجيب وسأخاف عليهم كما لم يخف أحد على أحد وسيعترضون كثيراً، وسأسمح لهم بقيادة حركات تمرد قابلة للردع.. سيكون خوفي من إعادة حماقاتي ماثلاً أمامي بهم ولن أمنعهم عنها، وستكون قصصي زاداً لهم ليعرفوا أن كل ما أبذله لهم من سخاء المشاعر ما كان عبثاً، كان شوق القلب المكسور لترميم نفسه والنهوض بهم، وكان أفكاراً لعبت بها الحياة وألقتها في متاهات كثيرة حتى صارت الخريطة الأخيرة واضحة جداً.. لن أكون جاهزة لكل أسئلتهم فأنا أكره الأسئلة، لكنني سأكون باحثة معهم وعنهم، وسأُخرِج منهم ما يحبون استخراجه لا ما أرجو أنا أن يُست...

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان

قرأت معلومة عن الرافعي تقول إنه كان قبل كتابة أي مقال يفتح كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني حتى تستقيم لغته ويبدأ الكتابة، أعجبتني المعلومة كثيراً وقد كنتُ أقرأ في كتاب لأهرب من بعض الأعمال فانتهى بي المطاف أبحث عن أسعار النسخ الورقية لكتاب الأغاني وعن المكاتب العربية التي تبيع كامل مجلداته، ثم ذكرتني نفسي أنني أقرؤه بنسخته الإلكترونية فما الذي استجد ولماذا أبحث؟ نفس الأمر تكرر معي حين أخبرتني صديقتي عن خاتم معين يباع في بلادٍ بعيدة، وجلست بعدها أبحث عن هذا الخاتم الأعجوبة، قبل أن يرتد إليّ عقلي..فماذا حصل؟ إنه التسويق والإعلان وسحر الكلمات المنمقة، مصيبة هذا الزمن وبلاؤه، تكون في بيتك آمناً وعندك قوت يومك، ثم يقفز أمامك إعلان لقطعة ثياب فتشعر أن شراءها أكثر الأشياء أهمية، تتحدث إلى أصدقائك عن آلة فتراها على وسائل التواصل كلها وفي كل وادٍ تتراءى أمامك تحثّك على صرف مالك، والأمر طبيعي إن عرف الإنسان أن للشراء متعة ولذة آنية، تنتهي بعد أن تضغط على زر الشراء، لأن سهولة ضغط الأزرار جعلت صرف المال وتبذيره أيسر، فكّر في الأشياء التي اشتريتها مؤخراً هل كانت ملحّة إلى هذا الحدّ؟ إن كنت من هذا...

أيلول ذو الطرف المبلول

 إنه أيلول ذو الطرف المبلول بدموعي..لأنني في كل عام دراسي كنتُ تلك الصغيرة التي تصحبها والدتها رغماً عنها إلى المدرسة.. أكتب هذا في صباح يوم الاثنين من شهر أيلول، أكثر الأيام رعباً بالنسبة لي، وقد قررت أخيراً نفض الغبار عن مدونتي وبعث الحروف والكلمات فيها من جديد ليتنفس قلبي، وكل هذه الفجوة الزمنية في النشر يعود لسبب واحد هو انشغالي بالتعليم، لقد دخلت هذه الدوامة منذ أعوام فأخذتني بالكامل، إنها مهنة تشبه الفعل المضارع، لأن لها أحوالاً كثيرة يصعب فهمها..أعتقد أنها تشبه الفعل المصارع أكثر، فشدّ الأعصاب والعضلات والتهاب الحلق ووجع العظام ما كنت أحسب أنه يأتي للبشر في مرحلة الشباب لكنها إحدى حالات الفعل "المصارع" والنقطة محذوفة، تقديرها فجوة كبيرة في قلب الشاعرة التي تسطر كلماتها بدون نقاط لأن العمل سرق كل نقاط قوتها.. على الجانب الآخر من حالات الفعل المضارع، أجد حالات ترفع الرأس! وتجبرك على المجيء إلى العمل وفي هذه الإيجابيات تتزنُ كفة الميزان وترتفع.. تذكرت مقالاً قرأته للأستاذ علي الطنطاوي يردُّ فيه على زميل يسأله عن شح كلماته، وقلة عطائه اللغوي بعد أن كان فيضاً فأجابه الطنطاو...

يا عصي الدمع

الساعة الخامسة، اليوم بداية الأسبوع، البداية الوحيدة التي لا أحبها، يوم الاثنين يومٌ لا يبتسم فيه الإنسان ما لم يكن على موعدٍ فيه مع فك الحظر.. مثل عادتها تمرّ دقائق الساعات على كل البشر متساوية..ويظنّ كل واحد تحت ظل هذه السماء الممتدة أنها تتقصّد أن تكون أحداثها عليه أصعب، يحب الإنسان دور الضحية، هذا دور يجعل الأمور أخف وقعاً، و الأخطاء مغفورة لأنه حسب قوله كان مجنياً عليه مغلوباً على أمره.. وهذا دور أنفر من كل من يتقمصه ويعيش فيه ويلجأ إلى أخذ نظرة استعطاف من الناس يجودون بها على ضعفه.. أحب أبيات الشعر التي تُبث فيها روح الأنفة والعزة"بلى أنا مشتاق وعندي لوعة، لكن مثلي لا يذاع له سرّ" أميل إلى صف الأقوياء، الذين ينالون من الحياة قبل أن تنال من قوتهم ويجربون الحياة كما تجربهم، فنتعادل معها في موازيين الربح والخسارة، يملك الزمن سطوة قوية، وعصي القلب هو من يملك أمام رياحها أن يتسلح دائماً بصبره، وأن يكون مخرج الاستسلام أمامه متاحاً سهلاً يراوده عن نفسه وأحلامه، ويدعوه بكل صيغ النداء المحببة، التي تستغل حيرته وضيقه وتسحبه من قلبه الذي لا يحسن التصرف في الأمور، تقول لنفسك: إن ال...

لا جديد يذكر

 في قلبي ثقب كبير أخاف أن يبتلعني يوماً، ودموع كثيرة تختفي في قلبي، لقد جفّت عيناي تماماً، بعد أن كانت الدمعة أسهل من تأجيل عمل اليوم إلى الغد، صرت أعصر قلبي..أمسكه جيداً وأعرف أنه يريد أن يبكي لكنّ دموعي لم تعد تسعفه ولا تمدّه بعون، تنزل دمعة يتيمة هي أول الغيث، لكنه ما عاد ينسكب بعدها، صارت مقلتي تحتفظ بما تبقى من دموع تخاف عليّ من القحط، وتحاول أن تبعد الجدب عن ريعان شبابي بطرد الدموع بعيداً وارتسام الضحكات فوق تلال المرارة.. لا يعرف الإنسان متى انقلب حاله، حياته تسير بسرعة هائلة بالكاد يميز فيها بين ليله ونهاره، لا جديد يذكر، والقديم يعاد في شرائط ذكرياته، هل هذا هو السر؟ هل تظهر التجاعيد وتبرز معالم الزمن من خلال ذكرياتنا؟ يتخطى الإنسان أوجاعه كما نقول جميعاً ونعرف، لكننا نجهل أن الخطوات الكبيرة تصنع في القلب فجوة على مقاسها تحسّها وتعرفها وتردمها بعشرِ طبقات من السلوان، لقد كنت سابقاً تبللها بدمعك فتبقى هشة تتسلل منها الأحزان متدفقة إلى كل جسدك، قررت حينها أن تسدّها بحجرة كبيرة.. أتساءل مع أحمد بخيت، لماذا لم يعد في الحزن ما يكفي من السلوان؟ لقد كنت تردد دائماً"ما أطيب العيش...

والصمتُ أجمل بالفتى، والهدوء

 أهرب دائماً من أصحاب الأعصاب التي تنتظر شرارة صغيرة لتنفجر، العصبية طبع سيء جداً..يسمح الإنسان لنفسه أن يتفوّه بالقذارات اللغوية! ثمّ يحاول أن يواري إثمه باعتذار لا طائل منه، يُشرق من المغرب:) فلا يُقبل طبعاً..الأخلاق وضعت لتكون في هذه المواقف أي أن معيار ما تملكه من أخلاق يتم تقييمه في حالة الغضب والانفعال لا بعده، والشديد من يملك نفسه عند الغضب، أما أن نصرخ فهذه حرفة سهلة، اختص الله بها من يمشون على أربع وفضّل الإنسان بعقلٍ يتصل لسانه به ، فيفكر بما ينطق، تضاف إلى قائمة سريعي الغضب، قائمة الذين يشتمون الناس دون طرف يرف ويخصصون أصدقاءهم بشتائم تبيّن مكانتهم! ويعتقدون أن هذا عقد فريد من المحبة، وأنا في هذا الموضوع لن أتكلم، بل سأعيد ذكر العقل الذي فضلّ الله به البشر فأبوا استخدامه وصار اللسان أداة يحصد فيها الإنسان هلاكَه.. وبالتزامن مع الحديث عن اللسان وآفاته، فأنا أختار الصمت دائماً وأرجح كفّته، إذ أن غلط الإنسان يكثر كلما كثر لغطه، وقد كنت مرة أمزاح والدي في موضوع فائدة أن نتكلم لا أن نصمت خاصة مع من نحبهم، فأجابني بعدة أحاديث وحكم وأشعار عن الصمت وفوائده، ولأن والدي صاحب حجّة...