أيلول ذو الطرف المبلول

 إنه أيلول ذو الطرف المبلول بدموعي..لأنني في كل عام دراسي كنتُ تلك الصغيرة التي تصحبها والدتها رغماً عنها إلى المدرسة..

أكتب هذا في صباح يوم الاثنين من شهر أيلول، أكثر الأيام رعباً بالنسبة لي، وقد قررت أخيراً نفض الغبار عن مدونتي وبعث الحروف والكلمات فيها من جديد ليتنفس قلبي، وكل هذه الفجوة الزمنية في النشر يعود لسبب واحد هو انشغالي بالتعليم، لقد دخلت هذه الدوامة منذ أعوام فأخذتني بالكامل، إنها مهنة تشبه الفعل المضارع، لأن لها أحوالاً كثيرة يصعب فهمها..أعتقد أنها تشبه الفعل المصارع أكثر، فشدّ الأعصاب والعضلات والتهاب الحلق ووجع العظام ما كنت أحسب أنه يأتي للبشر في مرحلة الشباب لكنها إحدى حالات الفعل "المصارع"

والنقطة محذوفة، تقديرها فجوة كبيرة في قلب الشاعرة التي تسطر كلماتها بدون نقاط لأن العمل سرق كل نقاط قوتها..

على الجانب الآخر من حالات الفعل المضارع، أجد حالات ترفع الرأس! وتجبرك على المجيء إلى العمل وفي هذه الإيجابيات تتزنُ كفة الميزان وترتفع..

تذكرت مقالاً قرأته للأستاذ علي الطنطاوي يردُّ فيه على زميل يسأله عن شح كلماته، وقلة عطائه اللغوي بعد أن كان فيضاً فأجابه الطنطاوي إن الجواب هو انشغاله مع تلاميذه، وفي أبغض الأماكن إلى قلبه -المدرسة-

وإن كنتم تحسبونني أنا صاحبة العبارة الأخيرة فأنتم واهمون، لأن الكلام للطنطاوي، ولم أضعه بين علامتي تنصيص لأنني لا اتذكر أي مفردات الكره كان يستخدم، لكنني فضّلت كلمة البغض..لماذا؟ لأنّ حرف الغين يعطيك هيبة الموقف ويزيد للكلمة استعلاءها..

كيف يكون المعلم يا شوقي معلماً في زمنٍ تختلط فيه المفاهيم؟

ألست تقول للطلاب قف للمعلم وفه التبجيلا؟

هل أتاك حديث طلاب اليوم ومعلميهم..أم هل أتاك حديث أحوال مدارسنا اليوم؟

القلب في شكواه يودّ كتابة معلقات خيبة عن مآل أشرف المهن، لكنني أترفع عن هذا حتى لا أكتب إنذار تأخير آخر، فأنا معلمة ملتزمة بموعد البصمة، أركض لأجل كلمة شكراً التي تفوح عذوبة منها كل صباح، وتفوح مني رائحة القهوة والتأخير وقليل من الشغف وكثير من بغض نظام المدارس، وحب لا يسعني وصفه لطلابي..هذه الخلطة السحرية للعذاب أن تكون معلماً وداؤك فيه دواؤك..وعذابك اللا منتهي على رأي إبراهيم طوقان هو مرأى الدفاتر والأوراق المتناثرة..

أختم بأبيات طوقان لأنني حفظتها منذ كنت في الصف السابع وما زلت أحبها وأحفظها بعد أن صرت معلمة قديرة جداً، معلمة لا تحب أنظمة المدارس عموماً وتطمح إلى مدرسة وفق معايير جديدة تناسب الزمن وتناسب حاجة الإنسان للتعلم في بيئة ممتعة..أترككم مع الأبيات، وأركض للحاق بموعد البصمة الصباحية وجمع دفاتر الطلاب، وكتابة الخطة الفصلية وتحليل محتوى المنهج، وأعود لكم لاحقاً بمواضيع أخرى بعيدة عن رائحة المدارس، ولاحقاً هذه ربما بعد أن أستقيل، لأن لقاح المدارس يسري في دمائي منذ أعوام ويصعب علي ألّا أذكره بين كلامي..

يقول طوقان:

"لو جرب التعليم شوقـي ساعـة *** لقضى الحيـاة شقـاوة وخمـولا

حسـب المعلـم غمـة وكـآبـةً *** مرأى (الدفاتر) بكـرة وأصيـلا

مئة على مئـة إذا هـي صلحـت *** وجد العمى نحو العيـون سبيـلا

ولو أن في التصليح نفعا يرتجـى *** وأبيـك لـم أك بالعيـون بخيـلا"

لكـن أصلـح غلطـة نحـويـة *** مثـلا واتخـذ الكتـاب دلـيـلا


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا عصي الدمع

ربما

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان