يا عصي الدمع

الساعة الخامسة، اليوم بداية الأسبوع، البداية الوحيدة التي لا أحبها، يوم الاثنين يومٌ لا يبتسم فيه الإنسان ما لم يكن على موعدٍ فيه مع فك الحظر..
مثل عادتها تمرّ دقائق الساعات على كل البشر متساوية..ويظنّ كل واحد تحت ظل هذه السماء الممتدة أنها تتقصّد أن تكون أحداثها عليه أصعب، يحب الإنسان دور الضحية، هذا دور يجعل الأمور أخف وقعاً، و الأخطاء مغفورة لأنه حسب قوله كان مجنياً عليه مغلوباً على أمره..
وهذا دور أنفر من كل من يتقمصه ويعيش فيه ويلجأ إلى أخذ نظرة استعطاف من الناس يجودون بها على ضعفه..
أحب أبيات الشعر التي تُبث فيها روح الأنفة والعزة"بلى أنا مشتاق وعندي لوعة، لكن مثلي لا يذاع له سرّ"
أميل إلى صف الأقوياء، الذين ينالون من الحياة قبل أن تنال من قوتهم ويجربون الحياة كما تجربهم، فنتعادل معها في موازيين الربح والخسارة، يملك الزمن سطوة قوية، وعصي القلب هو من يملك أمام رياحها أن يتسلح دائماً بصبره، وأن يكون مخرج الاستسلام أمامه متاحاً سهلاً يراوده عن نفسه وأحلامه، ويدعوه بكل صيغ النداء المحببة، التي تستغل حيرته وضيقه وتسحبه من قلبه الذي لا يحسن التصرف في الأمور، تقول لنفسك: إن المخرج أمامي لأتقدم خطوات إليه وأهرب بشكل سريع وعاجل-والهريبة تلتين المراجل في أمثالنا الشعبية-..يستيقظ عقلك وتمضي مجدداً لأنك عصي الدمع والاستسلام شيمتك الصبر-والركض دون كَلل في كل طريق تختاره-ولأن الهرب ليس من شيمتك ولا تراه لائقاً بحقّ أهدافك..
لقد اكتوى قلبك قبل أن تصير كذلك، ولبثت ليالٍ كثيرة تشارك القمر وحدته، ثم صرت تردد مع أبي فراس الحمداني:

إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى

وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكبر






ثم لم يعد لليل أسلحة يطلقها أمامك، لقد خسرت كل الخسارات الفادحة، وتوقف الزمن عندك وصارت الذكريات تُشقيك، وكنت مشتاقاً دائماً وعندك لوعة وقد كنتَ أولى من يحقّ له أن ينزف دموعه..لكن دمعك في الحوادث غالٍ!
فكيف إن كان على أشياء تسللت منك بإرادة كاملة منها وبسعي بالغ منك، تتمسك حتى يقتطع التمسك من قلبك جزءاً، ويمرر على قلبك كل التساؤلات التي تقول لماذا؟
لكن الأجوبة عملٌ لا يخص عقلك الذي امتلأ بالأسئلة.

الساعة الخامسة والنصف، القهوة تبرد وأنا أحبها وهي تغلي-ثم تفور- فتتشارك مع قلبي في الأمرين، ويحترق لساني..لم أنتبه لبرودتها فقد كنت منشغلة بعدة أعمال جعلتها تفور، هذه المرة الأولى التي أنتبه أن إضافة أي حلاوة في طعم القهوة تفقدني لذة مرارتها، ثم انتبهت أن شهر كانون الثاني حلّق مسرعاً ووضعني أمام شهر شباط بشكل مفاجئ وقبل أن أستعد له، أنا يا شباط صديقة قديمة لك اقتسمت معك أحزاناً قديمة جداً، لا أستطيع الآن أن أشرحها لك بشكل كافٍ ومطول لأنك تمر عادة أسرع من كل شهر آخر لكنك ثقيل مهما بلغت خفّتك!، لكنني أسمح لك بحكم ما بيننا-من خبز وملح ودمعٍ- أن تتحسس مجرى الدمع في قلبي، لقد سكبته زمناً طويلاً ماضياً..وصارت الندب فيه ناضجة بما يكفي لأقول أنني تعلمت من كيس تجاربي- لأنني أحب أن تكون تجاربي هي قصتي المحكية لاحقاً لا تجارب الناس ومخافة الوقوع في الأخطاء-، وأنني أمتلك رصيد الشجاعة الذي أسقاني أخطائي بصبر وجلد أكبر، وتعلمت لاحقاً كيف يتخلى الإنسان بقلب يضحك ولسان يعرف كيف يصل إلى صيغ عزاء تسلّي عنه وجعه تارة بالحزن وتارة بالبوح وتارة بالنكات، وعقل أوعى ومراوغة أقل وصدق في إعطاء الأشياء مسمياتها، تعلمت أن لا أستبدل الحقيقة بالتورية وأن لا أتحايل على الأخطاء التي يراها الإنسان بعين حدسه، هذه بداية ضلال الإنسان، حين يركل إحساساً صادقاً ويلحق السراب، تقول لك كل تسلسلات الأحداث أنه برق خلّب لا مطر يتبعه، لكنك لم تقتنع حتى أمطرت عليك الخيبة أحزاناً، كانت ثقيلة..وظلّ ثقلها يسرح في قلبك متسائلاً"لماذا لم نجد في الحزن ما يكفي من السلوان؟"..
الساعة الخامسة والنصف، القهوة تغلي مجدداً وهذا يعني أنه لن يكون لها وجهٌ، أضيفه إلى قائمة تفاصيل السعادة اليومية..لا يهم لأن قلبي يغلي معها ووجهي يمتلئ بتفاصيل التعب، والليل لم يغفر لي أنني سهرت لبضعة أيام في الشهر الماضي، يصر أن يزورني تحت عيوني وقد تصالحت مع فكرة تقول أن هذه معالم الدهر وهو يمرّ، ولن أكترث لها كثيراً جداً..سأكترث كثيراً فقط..
الوجه مرآة القلب، هذه المسحة الرقيقة في بعض الوجوه تجعل فينا ميلاً إليهم لا نفهم سره، الابتسامة النقية التي ترسم في الحياة ابتهاجاً خفياً وألف سبب في سبيل الاحتفاظ بها إلى الأبد..أحب قراءة وجوه من أحب، أما رسائلهم ففرحة وصولها تجعل قلبي خفيفاً مثل خفة وجودهم فيه وإقامتهم الدائمة التي لم يصل إليها فصل الخريف، أما متعة قراءتها فهي تعريف الدهشة المبسّطة، وجودهم في حياتنا يجعل للنجاح سبباً آخر يأخذ من أعينهم النور والبريق والاستمرار..وجودهم الذي أعاد تعريف الثقة و وضعها في المكان المناسب لأنهم الأصدقاء الذين جادت بهم الدنيا لتجود علينا بالفرج بعد الشدة، والإيمان بالأصدقاء والصداقة وإن كانت بعض أحداث الواقع تدعوك لتكفر بها..لكن خطأ اختيارنا لا ينبغي أن يكون القاعدة العامة..
روحي فداء لليد التي تمسك بك دائماً مهما أشحت بوجهك بعيداً، وتفتح لك أكتافها لتبكي بين حدودها مرة وتضحك مرات..وتخجل أنك كنت دائماً تقدّم أقل ويقدمون أكثر، تمشي خطوة ويركضون نحوك..يضعونك على رأس القائمة..وأنت لا قوائم لديك..
ثم يمنّ الله عليك بعقل يعرف كيف يمسك العصا من منتصفها، ويرى الدنيا بعين النضج التي تقاسمتها التجارب وجعلتك تتضاعف ألف عام تحت جبروتها، أحب النظر إلى هذا كله بعد البلوغ..والكتابة عنه حين يصير ذكرى..وحين تنظر إليه بعد أن قطعت طريقاً طويلة وقعت خلاله مرات تفوق العدّ، لكنك اجتمعت في نهايته مع نفسك، ففزت في الجولة الأخيرة على مرأى كل الهزائم..
يذكرني شهر شباط بالوقوع..بالحزن الذي يسرق من عينك نومها، بتقلص الأمعاء حزناً وإضرابها عن ممارسة دورها رافعة حجة الأحزان، يذكرني كيف يهرب الإنسان من نفسه ومن الأسئلة التي تتردد في روحه، وكيف تتلمس قلبك تطلب منه أن يهدأ، وتقنعه أنك قادر على التخطي، كما كنت تفعل هذا وأنك تتجاوز يا عصي الدمع أحزانك، وتلوّح لها بكل تجاربك القاسية السابقة..وتقول أخيراً هل في الدنيا ما لا يمرّ إذن؟
يذكرني شهر شباط بالنهوض، بالقوة والشجاعة والوقوف خلف كل قرار يمتلئ قلبي بالإيمان به، بتوشّح الإرادة وبداية خطوة في طريق الألف ميل مصحوبة بألف تعليق يقول"لن تفعلها"، وترك الطريق الذي لا يشبهني وإفلاته رغم أنف مشاعري، أن أبتعد عن كل دربٍ أحترق فيه وتكون نهايته ضياع كامل، لقد كانت كل الطرق التي تؤدي إليهم ضيقة، لكن عين الرضا كانت تجعلها أوسع، وكنا نسير في كل طريق صعب وعر ينتهي إليهم، لكننا أبصرنا أخيراً الراحة الكبرى على جسر التخلّي..جسر كله تعبٌ وذكريات لكنك تختاره لتبدأ طريقاً تتعرف إلى نفسك من خلاله، وتضع تعريفاً لنفسك يرضيك أنت..ثم يحين زمان تنظر فيه بحسرة على عمرٍ ضائع اختلطت فيه عليك الطرق، لكنك عفوت عن ذاتك وما عدت تجلدها ووصلت معها والعبرة بالخواتيم، وبمن يضحك أخيراً أو-يصل أخيراً-
لذة الوصول والنظر من فوق كومة التجارب، لذة تفوق الوصف..لقد كنت تكتب تجاربك بدمعك المرير، ثم صرت تكتبها اليوم بفخر يلامس قلبك، تتحسسه اليوم وقد استبدل حسرته وتأنيبه الدائم لك، بالرضا والسكينة وقد زيّنته بأصدقاء زرعتهم داخله، تعاقبت التجارب عليك وهم يزرعون داخلك كل الرياحين في الدنيا..
يذكرني شهر شباط بسطوة الزمن دائماً وأبداً..قوة كبيرة هائلة، ما كانت في حزن إلا أزالته، عليك أن تتمسك بالطرف القوي الوحيد في قلبك، حين تسقط كل أطرافه حزناً ويتداعى سائر الجسد متعاوناً على السقوط تعباً، وأنت محاربٌ قديم، يعرفك الليل ونجومه والسهر والأحلام وساحات الحياة وخطوبها..
إذن تمسّك بهذا الطرف الوحيد، صاحب الصوت العنيد في جسدك الذي يجعلك ترفض أن يكون اليأس ثوبك والأحزان أسرك، ويزيّن مبسمك بقوة اسمها سحر البداية والتقاط كل الأوراق التي انهارت وانهالت مع سقف أحلامك، لكنك عصيّ شيمتك الصبر ولك سرّ تتقاسمه مع نفسك وتبارك لها تخرجها من كل هذا بصلح أبرمته معها، أن تكون أنت الكتف الأول الذي تلجأ إليه، والمدد الأول..ونقطة البداية والانطلاق..
شعور غريب محشور في قلبي، الساعة السادسة وأنا لديّ موعد الآن يجبرني أن أترك نصي مبللاً..
نص لا أستطيع أن أشعر أنه مرتبط بي، قلبي الذي كان يهتز حتى أصغر خلية فيه صار ممتنّاً لكل هذه السنوات، لقد استيقظ أخيراً والتقط من الحياة معنى التوازن والاعتدال..وسرقة لحظات السعادة من تعثّره بتفاصيل يحبها..والتعلق بكل ما يرتفع بك/ومن يرتفع بك..لأن قمة الجبال تستحق لا جَرم، ولأن في البشر من يستحق أن نبذل في صداقته كل وسعنا لا جرم..
الساعة السادسة، وأنا يعنيني الزمان حين يمرّ، وكيف يمرّ وماذا نفعل ونبني ونحقق أثناء مروره..وكيف تبدأ الحكايات وتُغلق، وكيف أن الفتاة التي تخاف الخسارة وترفضها، وتهرب من كل هزيمة ولا تعترف بالتعادل، أغلقت على نفسها باب الوهم هذا، وفتحتْ نافذة الواقع التي تطلّ على هزائم وخسائر وعلى ربح وفوز وصار التعادل حلاً مقبولاً أحياناً..
التأمل خلف النافذة لا ينجيك..عليك أن تخوض هذه المعارك بنفسك وينالك حظٌ وافر من الخبرة تحت جناحها، عليك أن تدخلها متحصناً بالحذر، الذي لا يفيد ولا يغني من أقدارك، لكنه "كل الحيلة والفتيلة" كما نردد في الأمثال الشامية، للتعبير عن الشيء الثمين الذي ليس لك غيره..
ومن مأمنه يؤتى الحذِر..
ومن قلبه ينهش بدنه..
ومن روحه تبدأ الهزائم..
ومن إرادته تبدأ الفتوحات..
ومن وجود أصدقاء يحبهم ويهتم لأمرهم كما يفعلون بلطفهم وخفتهم، يتحقق فتح الفتوح الذي تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب..فتح تفتح أبواب القلب له، وتشرع الروح أجنحتها لطائر لا تحتمل خفته يولد بداخلها كلما كانوا بالقرب، لأنهم ما كانوا لأرواحنا إلا رياحين تشهد أن في الدنيا قلوباً يعيش الخير فيها، وأن بذور الثقة التي ترميها تلتقي بتربة خصبة، تكون أهلاً لهذه الأمانة..شكراً دائماً لكل من نعرّف السعادة بأسمائهم.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ربما

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان