ربما
في يوم من ذات الأيام ربما، سأحدث أبنائي عن تفاصيل لا تحكيها الأمهات الفاضلات، عن المنفى وحكاياه وعن قصص أعوامٍ من السعي في الدنيا بعبث وجدٍّ يتراوحان بين المتنبي في طموحه وبين الانحدار مع ابن الرومي وتشاؤمه، وسيسألونني ربما عن امتداد سنوات تدريسي حتى شارفت سن التقاعد، فأجيبهم إنني صبورة ولو لم تبقَ مني بقية، وسأود أن أكمل لهم البيت الشعري وأتحدث عن وقاري، لكنني سأترك هيبة الزمان تقوله عنّي، سأحب أن أحدثهم أنني كنتُ مشغولة جداً في تدارك نفسي بعد السقوط المدوّي، وسيسألون كثيراً ولن أجيب وسأخاف عليهم كما لم يخف أحد على أحد وسيعترضون كثيراً، وسأسمح لهم بقيادة حركات تمرد قابلة للردع..
سيكون خوفي من إعادة حماقاتي ماثلاً أمامي بهم ولن أمنعهم عنها، وستكون قصصي زاداً لهم ليعرفوا أن كل ما أبذله لهم من سخاء المشاعر ما كان عبثاً، كان شوق القلب المكسور لترميم نفسه والنهوض بهم، وكان أفكاراً لعبت بها الحياة وألقتها في متاهات كثيرة حتى صارت الخريطة الأخيرة واضحة جداً..لن أكون جاهزة لكل أسئلتهم فأنا أكره الأسئلة، لكنني سأكون باحثة معهم وعنهم، وسأُخرِج منهم ما يحبون استخراجه لا ما أرجو أنا أن يُستخرَج منهم..سأقول لهم إن أمر النضج كلفني أعواماً طويلة، كنت أبحث فيها عن معنى للحياة بعيدٍ عنهم لكنّي لم أجد أو ربما وجدت لكنه عاد أخيراً إليهم، وستكون كل التبريرات واهية وسأغير الموضوع حتماً، وسأكون نادمة ربما..
سأحبّ أن يهدأ قلبي بكم، وتُغلَق ثقوبه، ويمتلئ بكم بالكامل، رصيد من المشاعر سيفيض وستكونون أجمل قصائد عرفتها، سأعتذر حينها ربما لكل الشعراء المحببين إلى قلبي، وسأغلق دواوينهم لأن أجمل دواوين الشعر ستكتب بمشاعر جديدة أتعلمها منكم وأكون بكم حينها شاعرة الشعراء..ستتكلمون وتثرثرون وسأسمع، لن أنصت على الأغلب فذهني شارد في الأفكار أغلب وقته، لكنني سأقدم انتباهي كله فداء لكلماتكم، سأذوب معكم وبكم ربما..
وأقول ربما لأنني مترددة كما لا أحب أن تعرفوا، بل سيدة التفكير الذي يسير إلى دروب بعيدة..
سأفتح لكم ذاكرتي في المدن، وصوري الملقاة في أزقتها وستعدون على أصابعكم عشر مدن أخذت فؤادي وشغلتني عنكم، وستضحكون إذ تكتشفون الصندوق الأسود للسيدة الفاضلة التي توجهكم باستمرار ودون كلل حيث كانت تزرع ذكرياتها وتغرسها في كل أرض تزورها..
ستتذمرون؟ سأحاول ألّا تفعلوا لكنني استنفدت صبري في أروقة المدارس ولا يكفيكم ما تبقى منه، بإمكانكم أن تغفروا حينها وتسامحوا، وتصدقوا أن هذا العمر كان دون جدوى ولا محل من الإعراب قبلكم، كان نون توكيد ثقيلة تئن في القلب تطلب الوصل بفعل مضارعٍ تخرجه عن حالته المعربة، فيبنى ويعمر ويصير أخيراً في حالة بناء بعد طول ضلال في رفع الأحزان ونصب خيمها، وجزمٍ قاطع بأن طريق النجاة مغلق..
بكل هذا وأكثر سأجيبكم، وسيكون السفر مفتاح قصص عجيبة لن يصدقها أحد..وستختمون أفراحكم بفرح خفي أنني أفهمكم وأتفهمكم مهما فعلتم، قلبي حديقة غناء..ربما؟
تعليقات
إرسال تعليق