والروح تأنس

 "وأُقسِمُ ما استبدلتُ بعدكِ خُلَّةً

ولا لكِ عندي في الفؤادِ قَسيم"

بداية شعرية عذبة مع كثير عزّة، وإغراق في الحب كما ينبغي لهذا الشعور أن يكون..

أحب تأمل أبيات الحب، وأحب الحب الذي يرسم للحياة ألوناً أبهى، ويخرج القلب من عتمته إلى سعادة جديدة، وتسامح وهدنة وصلح دائم مع الأيام..

وحديث اليوم عن الحب والأحباب، وعن الحضارات البشرية التي تستعمر القلب فتعمره، وعن السماء التي تظلنا والأرض التي تقلنا والأكتاف التي تعرف متى تسند ومتى تواسي ومتى تنشلك من قاع حزنك..
هذه الذكريات المتراكمة، والقصص القديمة التي تحب سردها على مسامعهم كأنهم جزء منها بل تحب لو تبسط لهم مداد عمرك كله ليقرؤوه وترجو لو كانوا مداده السابق كما هم مدده الحالي، وتحب أن يسمعوه كاملاً مع جمله الاستدراكية والاعتراضية ويحبون، وتنتظرهم كما ينتظرونك، وتفتح لهم نوافذ قلبك كلها يطلون منها على حقيقتك كاملة دون محسنات بديعية..
أنت جناس ناقص حيناً، وتام في حين آخر وفي كل الأحوال يرونك بديعاً كمُلَ حسنه..
تراوح بين الاستعارات، والكنايات والمشاعر والتوريات، لكنهم يعرفون بعين الحب ماذا تقصد، أليست العيون على القلوب شواهد؟ وهذه أعيننا شاهدة أنهم في سوادها ويشتاقهم القلب وهو يحملهم معه..
أحب كيف يتأثر دماغ الإنسان بالحب، فيتحول إلى كائن يشبه يوم الجمعة، خفيف، ولطيف وحنون ودافئ، ومتسامح مع الأيام يرمقها بنظرة الآمن الذي يعرف أن في الكون من يهتم لأمره ويسحبه من أقسى وأقصى شعور، مهدهداً قلبه الخائف مهما طال غرقه في خوفه..
أحب أن يكون في قلبي حديقة حبّ غنّاء، ومتسعة ومرنة وتعامل الدنيا كما يعامل المحبوب حبيبه، بلهفة وسعة صدر وانتظار وتقبل، بهذا الحب أعيش وبه أتفاءل..
وبقدر ما قال الشعراء من كلام حب وغزل، ظننته يوماً مبالغة، لكنك صرت اليوم مصدقاً وموافقاً على أقوالهم..
وتقلب طرفك في السماء ممتناً أن سماء واحدة أظلتكم، ولهفة واحدة ضمتكم..
تقلب طرفك في أنحاء كوكب المآسي وتقول في سرك إن الحب كفيل بصيانته..
هذه نظرة المحبوب المبالغة في كل شيء، وهذه القلوب التي تهوى من يشاكلها، ويتفهمها ويتقبلها على ما كانت وما ستكون..
صباح الحب والأحباب والشوق والأشواق، والصدق والصادقين، والبذل والباذلين..
صباح يشبه القلوب التي نعيش فيها، ونبذل لأجلها ونتمسك بها، في السر والعلن والضيق والسرور، صباح يشبه القلوب التي تردد "هوى كل نفس حيث حل حبيبها"
و"لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي"
و"وشوقٌ من غريب الدارِ
أعيَتْ دونهُ السُبُلُ"
فلا دار دونكم، ولا سبيل واضح إن لم يكن إليكم،  ولا لكم في الفؤاد قسيم..
ولا لكم في الأنام شبيه..
وإن غبتم لم نلقَ إنساناً يؤنسنا، وإن حضرتم فكل الناس قد حضروا..
ولا نحب الآفلين ولا تحبون، فيا رب اجبر كسر كل فاقد أحبابه، ورمم حسرة كل مشتاق وداوِ غصة الأفئدة التي أعياها الشجن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا عصي الدمع

ربما

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان