لا جديد يذكر
في قلبي ثقب كبير أخاف أن يبتلعني يوماً، ودموع كثيرة تختفي في قلبي، لقد جفّت عيناي تماماً، بعد أن كانت الدمعة أسهل من تأجيل عمل اليوم إلى الغد، صرت أعصر قلبي..أمسكه جيداً وأعرف أنه يريد أن يبكي لكنّ دموعي لم تعد تسعفه ولا تمدّه بعون، تنزل دمعة يتيمة هي أول الغيث، لكنه ما عاد ينسكب بعدها، صارت مقلتي تحتفظ بما تبقى من دموع تخاف عليّ من القحط، وتحاول أن تبعد الجدب عن ريعان شبابي بطرد الدموع بعيداً وارتسام الضحكات فوق تلال المرارة..
لا يعرف الإنسان متى انقلب حاله، حياته تسير بسرعة هائلة بالكاد يميز فيها بين ليله ونهاره، لا جديد يذكر، والقديم يعاد في شرائط ذكرياته، هل هذا هو السر؟
هل تظهر التجاعيد وتبرز معالم الزمن من خلال ذكرياتنا؟ يتخطى الإنسان أوجاعه كما نقول جميعاً ونعرف، لكننا نجهل أن الخطوات الكبيرة تصنع في القلب فجوة على مقاسها تحسّها وتعرفها وتردمها بعشرِ طبقات من السلوان، لقد كنت سابقاً تبللها بدمعك فتبقى هشة تتسلل منها الأحزان متدفقة إلى كل جسدك، قررت حينها أن تسدّها بحجرة كبيرة..
أتساءل مع أحمد بخيت، لماذا لم يعد في الحزن ما يكفي من السلوان؟
لقد كنت تردد دائماً"ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ..تنبو الحوادث عنه وهو ملموم"
ما الذي تغيّر الآن؟
لقد حوّلتَ قلبك إلى حجرة كبيرة، وصالحت نفسك التي كانت تسعى لو يكون الحمل عليها أخفّ، فعاقبتها بحملٍ أثقل أَوْدعته فيها يلمّ معه تجاربك المكتوبة بملح العين، وذكرياتك القديمة وكل المشاعر التي اختبأت بين الشرايين والأوردة تغذّي قطعة الحجارة وترفدها بكل ما ألمّ بك وآلامك، ولسانك لا ينطقه ولا عينك، كأنهما يتنافسان على النيل منك وأنت عصيّ تعيش أيامك بهدوءٍ يراه الناس في ظاهرك، كأنك لست غارقاً، كل البلل ما عاد يخيفك ولا عاد الانفعال يستقبلك ضمن روّاده..فعاش الشتاء في وجهك وقلبك وكلماتك، لا ينازعه صيف ولا الربيع بحلته يغريه بالرحيل.
لو كان الناس أحراراً كما خلقتهم أمهاتهم، هل كانوا فعلاً سيحزنون بهذا القدر كلما ركلتهم الدنيا؟ لا أظنّ لأن احتراق الإنسان فيما اختاره أخف من إشراقه في ما لم يختره..هذا لا يُعمم ولا أعرف حقاً إن كان كذلك..لكنني أعرف أن الإنسان يحتمل في سبيل ما اختاره أضعاف احتماله في طرق لم يرغب بها..
يقول الإنسان أنه حر، هكذا يظن..ثم تصفعه الحياة دائماً، ويعبر كل المحطات التي لا يودّ عبورها، لأنه ليس حراً كما يظن..هذه أحزان الإنسان الصغيرة، تتراكم عبر الزمن، الخطأ الصغير يصبح جبلاً، ثم تقضي عمرك كله في هدمه ثم لا يصمد معولك أمام هذا الطود الشامخ من الأخطاء لقد تمرّست بالأخطاء حتى حفظتها وتلبست بها أيها الفلاح ذو المعول الهش، فلتواصل استبدال المعاول المتكسرة أو فلتتسلق هذا الجبل، أو فلتنزل إلى الوادي وتصنع فيه نبعاً تَرفده عينك بمائها المعين المالح..هذا مؤسف..لقد تهيبنا صعود هذه الجبال، فاحتمينا بالحفر ولبثنا فيها من عمرنا سنيناً..
الساعة الخامسة والنصف، الوقت رتيب يمرّ كما ينبغي أن يمر..لا أحد يعنيه هذا، لكن أنا تعنيني خسارتي بشكل كبير، الخسارة التي تجلس بعدها تواسي جنودك وتطلب المدد، وتخطب فيهم خطبة بتراء، حمدت الله في سرك ومجدته كثيراً قبلها، لكنها بترت من قلبك ففازت باللقب..
أنا تعنيني المصالحات التي لا تتمّ والحروب التي لا تعرف الهدنة، وجفني الذي لم يعد يصطلح مع العبرات، لقد كانت هذه العبرات تنقذني..قبل أن تصبح ذكرياتي أحجاراً تسدّ الثقوب..قبل أن أقول ما لا أريده، وأضيع في متاهات عمري، وترتسم على وجهي خريطة الغرباء، وقبل أن يصبح وجهي قاموساً يجمع غريب اللفظ، قبل أن يختلط لساني باللهجات وقلبي بالبلدان، ويمتزج دمع عيني بدمع قلبي، وما بينهما من برزخ يمنعهما أن يبغيا..قبل أن تضيع النقطة الأخيرة من سطوري، لأستبدلها بنقاط تدل أن للحديث بقية، بقية تعيش في روحي، ويرفض لساني أن ينطقها، لأن أذني أغلقت أسماعها دونه منذ زمن التخلي الأول، حين فقدت كل الكلمات قدرتها على أن تكون بلسماً..لا تنطقوا الكلمات بعد فواتها، ولا تبذلوا الودّ في زمن ضائع، لا تبعثوا كلماتٍ لترفعوا بها العتب عنكم، لم تبكِ دمعته أخيراً، ما عادت الأحزان تقطع طريقه باستمرار، ثم أكل الشتاء حروفه وتحوّلت حطباً يدفِّئ قلبه الذي أثمر فيه النسيان، وانتصر الزمن في آخر جولة..
لا يُهزم الزمان في معاركه التي يخوضها، وإن كنا نبذل في حروبنا قلباً بكامله، فإنه يبذل سنواته، وشتان ماء الغيوم الفجاء، وماء يجاء فيه بالقرب..
وشتان بين بيعة تقطعها مع قلبك، وبيعة تأخذها من زمانك..أولاهما تحرقه والأخرى تحوله بجسارة فعلها إلى حجرة يتحدث عنها الإنسان على بعد أمتار من خيبته بصوت ثابت لم تعد البرودة في أعماقه تهزّه..وقلبك في الحالين ما عاد له شرف الاختيار..وقلبك راضٍ لعلمك أنه لم يكن بالإمكان غير ما كان..
تعليقات
إرسال تعليق