مذكرات ابنة بطوطة في الحجر الصحي
الأسبوع الثالث من الحجر الصحيّ وبعد: تبدو فكرة الكتابة مريحة، تطير إلى ذهني عبارة قرأتها مرة تقول"نحن لا نشفى من ذاكرتنا.. ولهذا نحن نكتب، ولهذا نحن نرسم، ولهذا يموت بعضنا أيضاً" نحن لا ننسى الأشياء العزيزة وهذا ما يجعل وصول الإنسان إلى عمر السبعين تحدٍ يرهق قلبه قبل صحّته..إنه مُمتلئ بروائح الماضي وغريب عن الحاضر الذي ظلّ جسده فيه بينما روحه مثقلة بالوداعات الكثيرة عودٌ على بدء وكمداراة لاستطرادي وثرثرتي الكثيرة سأعود إلى موضوعي ولن أعرّج على كل الأفكار التي أود قولها.. فترة الحزن وفترة الفرح وأيام السعادة وأيام ثقيلة وأيام تكون على روحنا برداً وسلاماً وقلبنا في الحالين راضٍ.. هذه الأيام ثقيلة علينا جميعاً والله، يكتشف كل إنسان فيها نفسه التي كاد ينساها في ركضه المستمر في ماذا؟ في ما يتبيّن لاحقاً أن بإمكانه التمهّل والتأني وتوقف هذا الجنون لا للحظة بل لشهور! يجلس الإنسان إلى نفسه يعتذر فيها عن كل الأشخاص الخاطئين الذين ندم على معرفتهم وعلى رفع قدرهم، لكنهم يقولون دائماً لولا التجارب الخاطئة لما خضنا تجاربنا الصحيحة، والموضوع صحيح خاصة مع أشخاص تتحول معرفتهم إلى ندامة ويتسلل تشاؤمهم وأمراضهم إليك، ويختمون موجات نفاقهم بتمني السعادة لك:) متجاهلين حقيقة أن أمنياتهم هي آخر ما نتمناه منهم، بعد أمنياتنا بعدم رؤية وجوههم المتعددة..نحن لا نعامل الناس بأخلاقهم هكذا تقول أمي، والأخلاق هي المكسب الحقيقي الوحيد وأن النفاق وأذى الناس لن يعود إلا على أصحابه.. عودة مجدداً إلى موضوع الندم ، تذكرت قصة -ندامة الكسعي- وهذه قصة طريفة لمن أراد العودة إليها، وقد ندمت ندامته تماماً في كل مرة أردّ فيها على الأشخاص الخاطئين تماماً في حياتي، ثم أسأل هل أمراض الإنسان النفسية تجعله يحاول رميها على من حوله؟من حاولوا مساعدته ثم اكتفوا بالتلويح له من بعيد راجين عدم رؤيته مجدداً؟ هل ينسى الإنسان مافعله؟ أي ماء وجهٍ هذا الذي يمتلكونه للعودة بعد آلاف الكلمات التي قالوها على طريقة-رمي الكلام من فوق الأساطيح- ومن خلف الأظهر وأمامها حتى، إنني أردد مع الفرزدق قوله"ندمت ندامة الكسعي لمّا؛ غدت مني مطلقة نوار" لكنني أخالفه، لأنني أندم على المعرفة لا على المغادرة، ربما لو كانوا مثل نوار للفرزدق لاختلف الموضوع، ولكنّ الحديث إلى من لا فائدة في حديثه ضَرب من الجنون، فكيف بأخذ النصح ممن يصف الدواء لذي السقام وهو عليلٌ حتى أخمص قدميه..ولكنه لايكفّ عن الفلسفة، أنا أستغرب فعلاً ومجدداً هذه الجرأة وتعدد الوجوه والألسنة سأضيف للعبارة في الأعلى نحن نكتب، لنحتفظ بصوابنا وما تربينا عليه..
وكما يبدو فالإنسان مدينٌ لكلّ الخذلان الذي أحسه، كل المشاعر الضخمة التي احتملها دفعة واحدة ثم ما لبثت أنْ صارت ذكريات عابرة يضحك لها وعليها وعلى نفسه.. ثمّة أحزان لا نقدر على تقسيطها، وسدادها ندفعه بكل مشاعرنا، وتبقى ديون الذكريات معلّقة..والنُدب عالقة.. يبدو الإنسان مديناً لكل كتف استند عليها ثم سقط، لكل بئر حفرها لكنه سقط فيها، ولكل يدٍ تخلت وعينٍ أشاحت.. يبردُ كل جرح ويشفى من الوجد كل من أراد لكنّ ما يبعثه الغياب من حنين يمكث وإن اندمل، يختبئ تحت عتمة الليل ويبعث الذكريات من صفحات الكتب ومن الحروف التي تعني كثيراً ولا تعني شيئاً.. وحين يُقال للعربي أنه عصي الدمع شيمته الصبر، فتلك مفخرته الأبدية في الجلادة والتجلد والصبر والتصبر..لا جراحات تقتل ولا أوجاع تُصّير الإنسان عالة على الحياة وما للهوى نهيٌ ولا أمر.. بلى أنا مشتاق وعندي لوعةٌ.. لكنني عربيٌ:) ولا يذاع لي سرّ. يبدو الليل طويلاً وفرصة لمهادنة الحياة بكل مافيها وإن كانت العبارة تقول"وهبني الله الليل والكتب" فأنا أضيف لها القهوة وطول التفكير وعمق التأمل وكتابة كل مانندم عليه لاحقاً، والندم على السهر صباحاً، وتلك لذة لو تعلمون عظيمة ومؤلمة:) ثمة في الليل سحر عجيب هذا الليل ساحر وهادئ ومؤلم وجميل حدّ أن تتجمع كل أفكارك وقراراتك فيه، حدّ العودة إلى نفسك مراراً كل يوم،حد أن تقرر وتعزِم وتعيد حساباتك. حدّ أن تأسى قليلاً على مافاتك وتعود أسرع لتعوّض نقصك، أنت تسعى والسعي يقتضي الوصول، ومراكب الوصول جميلة ومدهشة ومليئة بسعادة الدنيا الوصول الذي تحبه وتريده لا ما تمليه عليك حياة من حولك، لا تسمحوا لأحد أن يضع حياتكم ضمن إطار.. خلقنا أحراراً فكيف تستعبدنا حياة الآخرين المليئة بالشغف والخداع والصور البرّاقة؟ الوصول جميل حين تحدد وجهتك وحين تضع قدمك في المحطة وتتساءل لقد وصلت الآن ثم ماذا؟ وهذه الماذا تجبرك أن تضع آفاقاً واسعة، ولا أوسع من أن تكون -نعم العبد إنه أواب- هذه الآية حبيبة إلى قلبي، كل مواقيتك لن تفي بالغرض، مالم تكن عبداً أوّاباً إليه مراراً وتكرارا ودائماً. أوّاب هي صيغة مبالغة ولأنني أحب المبالغة في كل الأمور، أحبها.. وكثرة الرجوع تعني احتمال الخطأ لكن كثرة العودة إلى الجادة هي سمة نِعم العبيد. ونِعمَ كلمة حبيبة إلى قلبي هي الأخرى ربما لأنها من الأفعال الجامدة ويبدو أن الجمود والبرود من صفاتي التي يُجمع الأصدقاء على اتصافي بها، لكنني أنكر:) يبدو الحديث طويلاً والليل قصير ولابد من لملمة أطرافه.. تحزن وتخيب وتقوم وتتبعثر وتجدد عزمك وتسقط وتستند وتنهض،صد وردّ وأشياء لا تنتهي، وحق وباطل وخير وشر، والحق غالٍ!
ورائحة الماضي هاجمتني من جديد..والحجر الصحي لا يُطاق..والله المستعان.
تعليقات
إرسال تعليق