غيمة تنزف

 لكنّها كانت غائمة أكثر ممّا ينبغي، حالكة أشدّ مما يجب لم نكن نريد أن نكون أرقاماً صعبة، تمنينا لو كان بالإمكان أن نكون أرقاماً بسيطة تجبر الكسور العشرية لكل من في المحيط.. لم نكن نريد لآلامنا أن تنجلي أردنا فقط لو تَنبت بدلاً عنها نسمات خير..

 لم نكن نريد آمالاً عريضة، أردنا آمالاً غائرة في الأعماق تكون عميقة في أثرها وبصمة نتركها يتذكرنا الناس بها.. لم نكن نريد سوى الرضا في كلّ شيء، الرضا الذي يحوّل القليل كثيراً، والغيوم الداكنة أقماراً.. لكنها مع ذلك كانت غائمة أكثر مما ينبغي، حالكة أشد مما يجب.. يصطدم الإنسان دائماً في كل منعطفات الحياة، يحتاج أن يجيب دائماً على سؤال ماذا يُريد؟ هل تريد حقاً، أم يجرفك سيل صيحات الموضات الاجتماعية، تارة تغدو الشهرة شغل البشرية الشاغل لاحقاً يغدو السفر هو موضة مؤثري هذا العصر، تختلف صيحات العصر ومؤثروه، ولا ضير في ذلك مادام منعطف الطريق يخبرك أنّك لا تنعطف ولا تحيد، أنت هنا حيث ترضى وتقنع وتستطيع.. لا حيث أخبروك أن لكل عمر إنجازه، وأنك في سباق مع كل أهل الأرض، تركض وتركض فلا أنت تصل ولا أنت تقنع، ولا أنت تَسعد، تظنّ أن كل الطرق تؤدي إلى روما؟ ماذا إن كانت بوصلتك خارج النطاق بالكاد تصل إلى ربوع صحرائك الخالية، الخالية إلا من تيهك وضياعك لقد وصل المتسابقون الذين تسابقهم باستبسال ولا تشبه أياً منهم..لقد وصلوا وما زلت تقول لنفسك، لم نكن نريد سوى حياة هانئة نخبر فيها من نُحب أنهم أعز من أن نفقدهم، لم نكن نريد سوى أحلامنا البسيطة و ربيعاً يمتد لعمر بأكمله وتوازناً يعدّل ميزان مزاجنا المختلّ، قناعة من دواخلنا وأصدقاءً لا يعوضون، لا شهرة لامعة ولا أضواء لا تخبو.. لم نكن نريد سوى البساطة فكيف دخلنا هذه المعركة؟هل ترى؟ إنها غائمة أكثر مما ينبغي، حالكة أشد مما يجب! لكننا لم نكن نريد أكثر من ذلك، كانوا يقولون أن التنمية البشرية ومخاطبة عقلك الباطن مراراً هي الحلّ لتحقيق المعجزات الهائلة، لكنّنا آمنّا أن القناعة كنز لا يفنى، وأن-القليلَ الدائم الحبيب البسيط المُسعد الباعث على الحب-خير من كل الكثير الموهم للإنجاز ، الكثير الخادع الذي لا أكثر منه سوى كسلُ توهم الاكتفاء بما تَمّ.. تبدو غائمة، لكنها تنقشع تبدو حالكة، لكنها تزول تبدو متعباً، لكن الدرب طويل! هذه اسطنبول، والأفق الممتد، وقططها المنثورة في كل الأزقة.. الأزقة التي لاتنتهي، النهاية التي لا نحبها، الحب الذي لا نعرفه، المعرفة التي نجهلها، الجهل الذي يغلق الأبواب، الأبواب التي نقف أمامها، الأمام حيث نقف ونواجه معاركنا، المعارك التي تتغير، التغيّر المخيف، الخوف الذي يصدنا، الصدّ الذي يغلف قلوبنا، قلوبنا التي تحب اسطنبول.. عَود على بدء، البدء الذي نُحبه كثيراً..

في كل اللحظات التي تَظنّ أن النهاية مسدودة وأن البداية ضرب من المستحيل، وليس ثمّة مخرج طوارئ، يَطرق حنان الله قلبك لترى اتساع الكون.. أترى هذا الكون ما أوسعه؟ أترى كل تلك البيوت البعيدة؟ خلف تلك النافذة من يدعو لقضاء دينه الذي أَنقض ظهره ويرجو بأن يكون بعد العسر يُسرا .. وفي تلك النافذة هناك من ترجو أن تركب قطار الزواج الفائت أياً كانت الوجهة.. هناك من تأخر حملها وتفطرت حزناً من النظرات المشفقة والدعوات المواسية.. وهناك من تكالبت عليه الهموم وماعرف لها مخرجاً.. هناك من تدعو لإنقاص القليل من وزنها لأن همزات ولمزات الجارات شطرت قلبها وهزت ثقتها.. هناك من يحتاج بضع سانتيمترات ليكتمل رضاه عن نفسه ..هناك من فارق حبيباً، وهناك من دفن قريباً ودفن معه قلبه وروحه، وهناك من ينتظر غائباً ليعود ..هناك من يدعو بجلاء مرضه .. هناك من يرجو تخرجه وهناك من يتطلع إلى وظيفة كل شروطها تفوق مقاسه، وكلّ يرى معضلته حَرية أن توقفه كثيراً، جديرة بانهمار أحزانه.. وتَوقف الكوكب معه انتظاراً لحلها !.. هناك الكثير من الحكايات تخفيها هذه النوافذ، هناك الكثير من القصص ترويها .. هل رأيت! ما أنت سوى فلك يدور في عالم أكبر ما أنت سوى تلك الموجة الصغيرة، في بحر كبير عميق لا يُهادن أحزانك ولا يُوقف موجه منتظراً أن تركبه.. وهناك قبل كل هذه الأمواج مقاعد فارغة قيد الانتظار، وقيد أن تُكلّل باللقاء .. كَون كبير ونوافذ تحكي الكثير.. وفلك صغير تدور فيه تظن أنك محور بقية الأفلاك.. بينما أنت جرم صغير فيه انطوى العالم الأكبر الذي هو عالمك وحدك حيث تدور فيه مع معاركك الكثيرة الصغيرة وحدك أيضاً! تحارب وحدك وتنجو وحدك وتتعلق بقشة نجاتك مما أنت فيه، وحدَك .. مستمسكاً بحبل واحدٍ، ممتد نحو السماء .. حيث محور الكون كله ♡ يسعدني دائما تذكر قول محمود درويش "لا شيء يكسرنا فلا تغرق تماماً هي هجرة أخرى فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما .." كم كُنتَ وحدك؟ ....

 وتُكتب الرحلات والهجرات ونرجو البلوغ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا عصي الدمع

ربما

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان