عزيزٌ أنت يَا..؟
يكتب الإنسان عند حزنه، ما لا يستطيع كتابته ساعات صفوه..كأن كَدَره يتشكل على هيئة حروف كانت تقتات على قلبه ترجو منه أن يعفو عن نفسه ويتخفف.. "مافي الوداعات سوى تلعثم ألسنٍ وذهول أرواح وهَمٌّ مطبق" هذا حقيقي وصادق..فكيف بمن اعتاد الوداع وصارت حياته محطات يودع في كل منها نفسه، يعيش على ذكرياته الحلوة وأمنياته الكثيرة وأحلامه، والبلاد التي يحبها كثيراً وتحبه أقل..أو لا تحبه أحياناً.. يوزع قلبه في أنحاء كثيرة، لديه من القصص الكثير ليكون مشروع-جدٍّ مستقبلي ثرثار يحب أحفاده أن يروي لهم قصصه، يظنون الخرف قد عبث به، حتى صارت حكاياه أشبه بألف ليلة وليلة- يقرأ شعره الحزين ولا يدري هل يبكي مع شعرائه أم يستعصي دمعه، أم يبوح بأسراره، أم يبكي غرباته التي تراكمت حتى صار لا يعرف للوطن طعماً.. "بادٍ هواك صبرت أم لم تصبر..وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى" لقد سبقك المتنبي بحكمته ومن لا يتعلم من كِيسِ الآخرين أحمق.. بعض الأحزان غير قابلة للتقسيط، تحاول معها مراراً تتفاوض لكنها عند مجيئها تأتيك بالجملة.. تقول مع ابن الرومي"بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي" كم هذا حقيقي وموجع، تبكي دائماً وكثيراً، تحوّل بعض عتاباتك إلى دموع وبعض أحزانك إلى نكات، وتدّعي أنك عصي الدمع أمام بعضٍ آخر وتستمر الدائرة نفسها..إنه يشفي ولا يجدي..وتارة لا يشفي ولا يجدي..فتقول لنفسك لأكتبها وأراها ممتدةً حروفها أمامي، فلتنجِدني الحروف إن لم تُجدي الدموع. تتساءل عن الأشياء التي تشبهك؟ إنك تشبه لا النافية في عملها! والحروف الزائدة..والهمزات التي يحتار الناس كيف يكتبونها. تشبه جفناً له صلحٌ مع العبرات وقلباً له مع السلوان حرب، وتفاصيل كثيرة تُلقي بك دائماً تشبه الأشعار التي تمرّدت على القوافي، وصارت حرة لا تعجب النقاد.. تشبه كل الاختلافات من حولك، وتشرح جيداً معنى الحيرة والتردد..تشبه كل الشوارع التي لا يمرّ فيها الناس، والأزقة التي لا تلتقطها الصور.. تشبه الأوطان البعيدة التي يرددون أنه لا بدّ منها وإن طال السفر لكنهم لا يعودون إليها، تشبه المنفى وتتساءل ختاماً هل هذا يا صفية هو الوطن؟ بالله يا صفية قولي، لقد حدث كل هذا من أجل الوطن؟! هل كانت الأوطان إلا راحةً للمتعبين؟ لمَ صارت الأوطان عذابات للمبعدين؟ تقولين أن علينا أن نعيش في سبيلها ونتحمل وأشياء كثيرة جميلة أسمعكِ تقولينها.. وقولك حق وصدق لكنني مثل كل الأشياء التي لا تعريف لها، وحيدٌ..لا خطٌ عريض أنتمي إليه وأتفرع منه وأستمد منه تعريفي لكل الاستفهامات من حولي. "أنا ليس لي وطنٌ أفاخر باسمهِ وأقول حين أراه: فليحيا الوطن وطني هو الكلماتُ والذكرى وبعضٌ من مرارات الشجنْ".
تعليقات
إرسال تعليق