مرحباً يا إسطنبول-قبل الحظر وبعده-

 لقد ودعت السهر منذ وقت طويل، لكن كوباً من القهوة في وقت غير مناسب يحوّلك إلى متقلب في فراشك تتذكر تفاصيل حياتك من قبل الابتدائية:)

أقول لنفسي أن اسطنبول جميلة، لكنه وصف لا يكفي إنها مرهقة وهذا هو الأدق..حسناء فاتنة بإمكانك صفّ الأبيات للتغزل بها، ثم تشقى لاحقاً بلعنة المدن الكبيرة..

لقد أحببت كل شبر في هذه البلاد وظلّت إسطنبول تحرس قلبي من أي منافس..

لقد مرت كل أوقاتي الصعبة فيها، كل الساعات التي كنت أظن الحياة ستتوقف دون عبوري منها، حتى أنني نجوت من الجامعة أيضاً!:)

ظننت أن رحلة الهروب إلى الحرية تنقضي بأن يعتق المرء من الاستيقاظ يومياً في السادسة لممارسة الركض الأبدي في مدينة الماراثونات التي لا تنتهي، وصولاً إلى أن ينتهي من آخر امتحان جامعي، وينظر إلى هذا الذي في المرآة..إنك بالكاد تعرف نفسك..ثم تكتشف أنها البداية لطريق آخر أصعب-طريق العمل-الذي تدرك عنده أنك صرت كبيراً مع مرتبة شرف.

أظن أن المدن الكبيرة تعجن ساكنيها، تعبث بهم كيفما شاءت..وكل مدينة كبيرة تجدها تسرق من الشتاء غيمة باردة تعلّقها في سمائها مهما تباينت الفصول، فتتساقط على سكانها قطرات البرودة وأمطار الجفاوة..

 إسطنبول جميلة هذا القلب و وحيدته، و وحدته وسر تبدّله..كل أمطار الشتاء التي تُذرف الآن لم تكفِ لإماطة قسوتها..وظلت على حالها الجميلة المستحيلة، درب التناقضات عندها يبدأ وفيها ينتهي..

تتذكر في نهاية المطاف أن سهرك لا نفع فيه، وكلام الليل وسهره..يمحو لذته ضوء الصباح الحامل في نهايته بداية يوم دوام جديد..الدائرة تدور والسباق نفسه ومحطة الباصات تنتظرك. 

يحضرني سؤال دائم معتاد في الساعة السادسة صباحاً عن جدوى الشغف والعمل والطموح والإنجاز، ثم ينتهك حبل الكسل، نداءات الضمير والسعي والرغبات في داخلي أن أكون شيئاً على هذه الأرض وخليفة وابتسامة في قلوب من أعرفهم وأن أستعير من شمس الصيف ضياءً محفوفاً بالأمل ومن غيوم الشتاء ديمة تتساقط خيراً وتعطيه، ثم ينتهي المشهد.

مرحباً يا إسطنبول عدت أتحدث إليك لأصالحك، أنا دعاء، دوارة شمس تدور حيث تدورين وتقف إلى صفّك دائماً وإلى صف الشمس أبداً مرحباً يا اسطنبول هل تفتقدين صباحاتنا الحلوة فيكِ مع الأحباب كما نفعل؟ هذه الأزقة الحلوة التي نعرفها وتعرفنا يعزّ علينا أنها الآن خالية مرحباً يا اسطنبول، رغم كرهي للدوام وأحلامي الشاسعة بصباح واحد خالٍ من الركض الأزلي، يبدو اليوم لي أن حياة الركض المستمر هي الأنسب والأجمل أن تفيق كل يوم تشتم صوت المنبه المزعج تتوعد دوامك بالتأخر، ثم تتذكر بعد لحظات أنّ لا غيابات أخرى متاحة ثم تواصل نومك.. مرحباً يا اسطنبول إنني أفتقد رفاقي بشدة، أنت لا تفهمين ماذا أقصد، أنا أعني أولئك الذين فرقت بيننا مفترقات الحياة ثمّ صَعُب عليّ أن أطويَ صفحات ماضية، لابد أنك أدركتِ كم أبدو كدوارة شمس تدور حيث يدور أحبابها، إنني أشتاق صباح الأحد السعيد الذي يأتي بعد معارك شاقّة، إن يوم الأحد يَجُبّ ما قبله! أشتاق اختلاس الأيام لكأس شاي واحد أناله من كومة الانشغالات فأستمتع به أضعافاً..وإلى تحايل الرفاق لنخرج في جولة سريعة جداً -نجدد فيها نشاطنا كما نزعم- مرحباً يا اسطنبول أنا أكتب منذ زمن لكِ وكنت أتساءل كيف بالإمكان أن نحتضن مدينة وهذا طبعاً قبل زمن الكورونا والمعقمات والمسافة الاجتماعية! لقد اتخذت من الأوسكودار ملاذاً لقلبي، هي بقعتي الآمنة،البعيدة جداً عن بيتي لكنها تسكن قلبي وتذكرني بأصدقائي، وبالمشي حتى التعب والإنهاك وتحقيق الأرقام القياسية.. المشي الذي لا أذكر رياضة غيره في إسطنبول إلا الركض، أما ماراثون ما قبل الفاينل فهذا موضوع آخر في اللياقة البدنية، عود على بدء مرحباً يا اسطنبول؟ أنا دعاء رهينة المحبس اليوم كأبي العلاء الذي اختاره طوعاً وأرغمت عليه إرغاماً، يبدو البيت الذي يطل على شوارعك جميلاً والهواء فيكِ منعشاً، ألم أخبرك أنني أحبك؟ أليست عين الرضا عن كل عيب تغض طرفها؟ أشيح دائماً عن السيئات فيكِ..تستغربين مني؟إنها عين الرضا، عين الرضا التي تجعلنا مبتسمين دائماً واثقين أن الشمس ستشرق مجدداً على أعواد البؤس..وأن دوار الشمس فينا سيعود يدور حيث يحبّ، وأن الذبول الذي عمّ هذا القلب بإمكان نفحات التفاؤل غداً أن تنعشه وتتسلل إليه ولو من جروحه..أليسوا يقولون أن لا نجزع من جراحنا؟ إذ كيف للنور أن يتسلل إلينا إلا منها، كيف نعرف أفضل ما فينا؟ كيف سنكتب في ال CV أننا نعمل تحت الضغط والقلق والأوبئة☻ مالم ندع النور يدخل فينا، مرحباً يا اسطنبول تخطط أمي لقائمة طويلة من الطبخات الصعبة ونحن ندخل في الأسبوع الثاني من الحجر الصحي ويبدو وكأن الموضوع يطول، ختمنا -الكبب وأنواعها- والقائمة طويلة وأنا أكره الطبخ، والله المستعان:)


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا عصي الدمع

ربما

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان