العزلة والانفراد بين كفّتين

 لا أحب الذين يتحدثون عن أنفسهم بشكل

مبالغ فيه، الذين يستقون تعزيزاتهم

الداخلية من انبهار الناس الدائم بهم، ولا

أحب احتفاء الناس ببعضهم في المناسبات

الخاصة لأنها تضع الإنسان في دائرة

الحدث-وكلمات المديح التي تُقال عادة

للمجاملة-وهو معتاد على الهرب من هذا.. 

في فترة معينة يتوقف هذا الإنسان عن

الحديث عن نفسه، لا لأنه اهتدى سبيل

السكوت، بل لأنه أنجب فصار لديه

موضوع جديد يفخر بنفسه من

خلاله..وتدور الدائرة والله

المستعان، والعتب ليس على خطأ السلوك

بل على خطأ الاختيار..

لقد تعلمت أخيراً أن خطأ الإنسان يكون

في اختيار من يتكلم معهم ويشاركهم

فكره..لأن أهل الأرض لا يهتمون بما تقول

أو تفعل ولا بأغلب إنجازاتك، عليك إذن أن

تبحث في الدنيا عن الذين يحبون سماعك

بأُذن الرضا، وقلب لا يستبق إطلاق

أحكامه..لا يُهديك الناس آذانهم ليسمعوك

دون مقاطعة إلا إن كنت مديرهم في

العمل، يقدمون الاستماع حينها- عن يد

وأذن وهم صاغرون-

أما إن كنت باحثاً عن الحقيقة فاعثر على

الأصدقاء الذين تشعّ ابتساماتهم بالنور ثم

تمسّك بهم فهذا أهم من العثور، تمسك

بالذين تتحدث معهم بصمتك..وتجيئهم

بالظلام فيقايضونه بالنور، أو ربما يظل

ظلاماً لكنهم يضعون نجومهم فيه، وهذا ما

يجعلك دائماً في صفهم..وفي صف الغرباء

الذين جمعهم يوماً طريق، ولم تفرقهم بقية

الطرق بعده..

من البديهي أن لا يعتزل الإنسان الناس إلا وهو

واثق أن فيهم من سيظل يسأل

عنه ويتفقد أخباره ويزرع في

قلبه الاطمئنان الدائم أنه موجود

في قلب بعض البشر وأن اسمه

مهما كان عابراً فهو عنوان رئيسي

ماكث في أرواح أصدقائه، عندها

يتحدث عن الانفراد بشكل أسهل وتصبح العزلة صحية أكثر..

وبشكل يرسم في قلبه خرائط

الوصول إلى تعريفه لنفسه وغاياته

وما يريده -ومن يريدهم

معه-.. يختفي الضجيج من حياتك

ويسهل عليك أن تضع للأولويات

نقاطاً محددة.، وأن تجد تعريفاً

لنفسك دائماً عدا غربتك، إنك

غريب يتعرف بالإضافة إلى قلوب

من يحبهم، وإلى كلماتهم

والتماع أعينهم فخراً وحباً، وإلى

التجارب التي تبنيه فيمتنُّ

قلبه..هل هناك أجمل من تحول

النكرات إلى معارف بهذا الشكل

اللطيف؟

هل هناك ألطف من قراءة وجوه

من نحبهم واقتباس تعريفات

الحياة من بين ابتساماتهم ذات

المعاني المتعددة؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا عصي الدمع

ربما

إغاثة اللهفان من مصائد الإعلان